بكل حزن وأسى أعلن رئيس جنوب أفريقيا عن رحيل الزعيم "نيلسون مانديلا" جسداً وإنساناً ، ولكنه سيظل للأبد روحاً تعيش في ابتسامات شعب جنوب أفريقيا ، الذي ينعم بالرخاء والسخاء بسبب الله .. ثم هذا الرجل.
بعيداً عن مناضلته من أجل الحرية، وبعيداً عن الـ 27 عاماً التي قضاها بين القضبان ، وبعيداً عن الحرية والتمييز العنصري ، وبعيداً عن كونه أول رئيس أسود لجنوب أفريقيا ، وبعيداً حتى عن القضايا التي تبناها ونجح في حلها، تكمن بالنسبة لي قصة نجاح هذا الزعيم في اظهاره لذاته ودعم مبادئه وأولوياته.
في الوقت الذي تخلى فيه الناس عن مبادئهم وشدتهم التيارات الغربية ، وفي الوقت الذي كانت فيه السلطات تبحث عن أفكار الغرب ومساعداتهم لحل مشاكل الحروب الأهلية والمنازعات في المنطقة ، بحث نيلسون مانديلا عن الحلول في ذاته ، في عرقه ، في أصوله ، في تراثه ومورثه ، في أهله وشعوبه !
لم يلجئ إلى دبلوماسية أمريكا ، ولا إلى قوة روسيا ، ولا إلى أناقة ولباقة فرنسا وأوروبا ! بل لجئ الى بلاده وتمسك في عاداته ، وحمل رسالته الوطنية بكل فخر متحلياً بثقة شعبه.
فعندما أراد نيلسون مانديلا النضال من أجل عرقه وشعبه ذهب إلى شعوب أفريقيا ، يبحث في تاريخهم وينبش في ثوراتهم ومناضلاتهم ، وتشرب من بحر تجاربهم ، وفي الوقت الذي كانت سلطات بلاده تبحث عنه بتهمة الفرار من العدالة ، كان مانديلا يوثق علاقاتها مع رؤساء الجوار !
ومما يذكره دائماً نيلسون مانديلا عن تعلقه بموروث افريقيا أنه كان شديد التأثر في حضارة "مصر" وكانت أهم أحلامه الشخصية البعيدة عن النضال والحرية هي التعرف على مصر وزيارة الاهرامات وأبو الهول وعبور نهر النيل.
لم يكتفي نيلسون مانديلا بالاستفادة من تاريخ افريقيا ، بل أنه تمسك به ، ويذكر أيضاً أنه بعد عودته إلى جنوب أفريقيا وإلقاء القبض عليه ، ظهر للمحاكمة مرتدياً لباس قبيلته الأصلي مما أثار تحفظ السلطات انذاك على مظهره ! وعاش نيلسون مانديلا وتوفي وهو متمسك في عاداته ومعتقداتها داخلياً وفي ملابسه ومظهره خارجياً.
لعل تجربة نيلسون مانديلا في توحيد جنوب أفريقيا وتجربة الشيخ زايد - رحمه الله - في توحيد الإمارات تشابهت في عنصر محوري مهم وهو تمسكهم في عاداتهم وتقاليدهم ونصرتهم لقبائلهم وشعبهم ، متجاهلين كل التيارات الغربية التي دعت للانفتاح والتخلي عن التراث والموروث ، وما القراءة في سيرة نيلسون مانديلا والشيخ زايد -رحمه الله- الا دليل على ان النجاحات لا تاتي بالانفتاح ولا تاتي بثقافات الغرب ، بل بتبني الذات والتمسك بالعادات.
ختاماً / رحل مانديلا متمسكاً بعاداته وتقاليده ، مناضلاً من أجل مبادئه وحرياته ، لم يناضل من أجل مال ، ولا من أجل شخصيات وجماعات ! ولم يناضل من اجل تفريق الشعوب ! بل لتوحيد الصفوف ! وأتمنى أن يكف دعاة الجهل عن استخدام سيرة هذا الرجل الصالح في دعم افكارهم العفنة وتهييج عقول الجهلة لاشعار لهيب الفتنة.
