ليست المرة الأولى وبالتأكيد لن تكون الأخيرة، فالحياة مليئة بخيبات الأمل ، وإن لم تكن الأحلام صعبة لما سميت أحلاماً ! ليس عيباً أن تخسر وليست الكارثة أن تخفق فتلك هي كرة القدم، ولكن عندما يتكرر هذا الفشل تباعاً علينا أن نعلم بأن المشكلة ليست مشكلة مهاجم اضاع فرصة حسم مباراة هامة ، او مدرب لم ينجح في قراءة الخصوم، أو رئيس اتحاد جديد اعتقد أنه سيجد طريق الصعود في قصات شعر اللاعبين !
في تصفيات كاس العالم 2004 بدأنا التصفيات مع مدرب منتخب الشباب الفرنسي جودار والذي خلف الانجليزي المقال روي هودسون وحققنا معه سبع نقاط من اصل تسعة ضد كوريا الشمالية وتايلند واليمن، الشارع الرياضي لم يكن مقتنعاً بما يقدمه جودار وكذلك رئيس الاتحاد الذي قام حينها بسحب الثقة منه وتعيين الهولندي اديموس لاكمال المشوار ، وكانت المحصلة خسائر مذلة من اليمن وتايلند وخروج من التصفيات !
تكرر المشهد واختلف التاريخ ! رئيس اتحاد جديد ومدرب صاعد ونتائج جيدة واداء مثير للشكوك والريبه ، فما هو الحل ؟ تكرار ما فعله الرئيس السابق والذي كانت نتيجته الفشل ؟ أو تحمل المسؤولية والاستمرار ؟ قرر تغيير المسار، وكانت المحصلة هي الفشل مجدداً ! اختلفت التصرفات واختلفت القرارات والنتيجة مشابهة ، فهل نستطيع أن نقول الآن بأن هذا القرار الوحيد هو سبب الاخفاقات المتكررة ؟
في لحظات الغضب والحزن سنبحث عن من يستطيع تحمل صدماتنا ، اليوم قد يكون الضحية مدرب مواطن مغلوب على أمره كان يصبو لاحلام كبيرة واصطدم بواقعه المرير ، وقد يكون غداً لاعباً أو إدارياً أو صحفياً ، المهم أننا سنجد من ننفس فيه غضبنا واستيائنا ولكن هل فعلاً يمكننا اختصار مشاكلنا في اشخاص ؟
حسابياً ما زال الأمل قائماً ، أما منطقياً فحلمنا أصبح صعب المنال، وبالاقتناع بالمنطق علينا ان نتساءل ما هي الخطوة القادمة ؟ عذراً .. لايجب أن نتساءل فالخطوة القادمة تبدو مألوفة للجميع ، مؤتمر صحفي ؟ وحديث عن خطة استراتيجية قادمة، ثم فشل ورحيل .. ثم رئيس آخر سيتحدث مجدداً عن خططه الاستراتيجية للنجاح وينتظر منا الصبر لخمس سنوات اخرى مضافة على السنوات التي وعدنا بها رئيس الاتحاد الذي سبقه !!
نحن لسنا بحاجة الى رئيس اتحاد فذ أو مدرب كرة قدم عالمي أو لاعبين يملكون موهبة ميسي ورونالدو ، نحن بحاجة الى ماهو أكبر من ذلك بكثير ! نحن بحاجة الى أن نعطي كرة القدم حقها وننظر إليها كما ينظر إليها العالم ، فهي ليست مجرد لعبة تنافسية بين الاندية يتفوق فيها من يتحصل على الدعم المالي الأكبر ! كرة القدم تحمل اليوم على عاتقها اقتصادات الدول وسعادة الشعوب ووظائف المقيمين واستثمارات القادمين ، ليست عبئاً مالياً على الحكومات كما هو الوضع في الامارات بل هي شريكهم في النجاح وفي بعض الدول هي العمود الفقري للحياة !
اذا نظر الأعمى الى اتحاد الكرة سيلاحظ بأنه ليس السلطة الأعلى للرياضة في الإمارات ، واذا سألت المبصر عن السلطة الأعلى فلن يستطيع الإجابة ! فالواقع أن كرة القدم في الامارات هي عبارة عن اجتهادات وتزكيات وقرارات متفاوته من هنا وهناك ، والمسؤولين فيها لم يتم اختيارهم وفق الخبرات والكفاءات والمهارات والعلم كما هو الحال في شتى المجالات التي تميزت بها الدولة ، بل عن طريق الاندية التي ما هي الا امتداد للفشل الذي تمر به كرة الامارات في السنوات الطويلة الماضية ! ، ولو حدث صدفةً بأن المسؤول الجديد كفؤ وصاحب تجربة وخبرة فسيصطدم بواقع أن هذه الوظيفة ما هي الا تزكية ووظيفة اخرى بجانب العديد من المناصب والمهام التي يشغلها ، فهل أعطينا كرة القدم حقها لنصل الى القمة؟
في الوقت الذي تجاوز فيه عدد موظفي نادي بايرن ميونخ حاجز ال700 موظف، ما زالت اندية كرة القدم الكبيرة والمحترفة في الامارات تدار عن طريق موظف عربي أو آسيوي يقوم بجميع المهام، فهذا الموظف هو مدير المبيعات والتسويق والعلاقات العامة ومساعد مدربي اللياقة ومدير المالية و و و ..الخ، وفي هذه الاثناء انا متأكد بأن المشجع الذي يقرأ هذه الأسطر يستحضر في مخيلته موظفاً خارقاً يعمل للنادي الذي يشجعه.
في أوروبا يتقاضى اللاعب المحترف راتبه الفلكي مقابل اهتمامه بصحته ولياقته وتسخير حياته لكرة القدم ، أما هنا في الامارات فاللاعب يتقاضى راتبه مقابل اربع ساعات عمل يومياً في اروقة النادي خلال الفترة المسائية وهنا يكمن التبذير والسوء ، صحيح أن الرواتب التي يتقاضاها اللاعب الاماراتي هي ما يحق للاعب كرة القدم ولكن ، هل هم فعلاً كسائر لاعبي كرة القدم ؟ هذه الثقافة لايمكن أن تتغير بالبروشورات التحفيزية واللافتات التحذيرية وتغريدات الاعلاميين ، بل بالقرارات الصارمة التي تعطي الرياضة حقها، ففي الوقت الذي يحصل فيه اللاعب على كافة الضمانات المالية ليعيش ملكاً طوال حياته بمجرد تواجده لموسم واحد فقط في دوري المحترفين ، ما هو المنتظر من هذا اللاعب ؟
لا يمكن ان نوجه أصابع الاهتمام للاعبين فقط بسبب سلوكياتهم الخاطئة خارج الملعب وعدم اهتمامهم بلياقتهم وصحتهم وعدم تكريس حياتهم لكرة القدم ، فهم في الحقيقة ليسوا على نفس القدر من النضوج والبلوغ والذكاء ! بل الأصح أن نوجه أصابع الاتهام للمسؤولين الذين أسرفوا في الموارد المتاحة والصلاحيات التي يملكونها دون خطط واضحة ودون عوائد ملموسة وساهموا في نشر تلك الثقافة السيئة التي ستضطرنا اذا ما اردنا النجاح لمحاربتها قبل كل شيء، يجب أن يعلم اللاعب بأن كرة القدم هي حياته وهي مصدر رزقه وهي التي ستحدد مستقبله ! حينها بالتأكيد سيحارب ملذاته من أجل ضمان مستقبله قبل التفكير في نجاحاته !
لا ألتمس الاعذار للاعبين أو الجهاز الفني ، فالتقصير يطال الجميع ولكنني اكتب هنا لكي لا نختصر مشاكلنا في اشخاص ونحملهم ما لا طاقة لهم به ! حدثت الكثير من الاخطاء الشخصية التي أدت إلى ضياع النقاط والحلم الكبير ولكن الواقع أننا نتأخر كثيراً في هذا المجال عن الدول المجاورة وما يحدث ما هو الا نتيجة لسوء العمل، فكرة القدم كسائر المجالات والتخصصات ونجاحاتها غالباً ليست ( محاسن الصدف ).
أتمنى فعلاً أن نبدأ مرحلة جديدة من العمل الاحترافي المتكامل ، وأن تصبح الأندية شركات يقاس نجاحها بالاستثمار المالي والعوائد ، وأن تصبح الوظائف في مجالات كرة القدم طموحاً للمواطنين والمقيمين ، وأن لا يحمل لاعب كرة القدم في رأسه هماً سوى الحفاظ على قدميه وقوته وتطوير موهبته ، عندها بإمكاننا أن نرى الطريق بوضوح.
ختاماً ، لا أعلم لماذا كنا نستمر في التسويق لكلمة ( جيل الذهب ) فالتشكيلة التي حققت كاس اسيا للشباب في السعودية لم يتبقى منها في التشكيلة الاساسية للمنتخب سوى احمد خليل ! والحقيقة أننا أضعنا ذلك الجيل قبل سنوات عديدة ولكننا كنا نرفض أن ننهض من النوم حتى لا ينتهي ما تبقى من ذلك الحلم الجميل.
