الأربعاء، 12 يوليو 2017

القدوة الصالحة



نقول دائماً "من شب على شيء شاب عليه" ونقول أيضاً "كل حب يطلع على بذره" دلالةً على ارتباط الشخصية بما نشأ عليه الإنسان منذ طفولته ، هذه النشأة التي ارتبطت غالباً بوجود قدوة لهذا الطفل الصغير الذي لا يعير اهتماماً في الغالب لآراء العلماء وتوصيات الفقهاء ، فمدرسته في الحياة هي أفعال من يحب وما يستطيع أن يراه ويقلده أثناء طفولته.

اختار لي الله سبحانه وتعالى أن أكون إبن رجل رائع وأن أنشئ على ما كان يفعله في حياته، صحيح أنني ما زلت في مقتبل العمر وما زال أمامي الكثير من العمل لأصل لنصف ما وصل إليه والدي من نجاح ولكنني استلهمت الكثير من شخصيته الرائعة ، فمنذ طفولتي أصبحت مدمناً على قراءة الكتب ليس حباً فيها بل تقليداً لما كان يفعله والدي حينها، ومنذ طفولتي أيضاً كنت محباً للتقنيات الحديثة والأجهزة الإلكترونية ليس لأنني "ستيفز جوبز" زماني، بل تقليداً له أيضاً ! كما أنني أتذكر تماماً مفاوضاتي الدائمة مع والدتي لتسمح لي بالسهر لمتابعة مباريات الفريق الذي أحبه مع والدي الذي كان مهتماً حينها بمتابعة مباريات الدوري الإيطالي.

لم يقتصر الأمر إطلاقاً على الهوايات والاهتمامات ، بل الحقيقة أننا جميعاً نستلهم مبادئنا واعتقاداتنا وأخلاقنا من أولئك الذين نعتبرهم قدوةً لنا في حياتنا، ولأنني محظوظ جداً بعكس الكثير من الناس كنت ابن أب عظيم ولم أحتج للنظر خارج أسوار المنزل، ولكن هل تضم جدران كل بيت رجل عظيم مثل أبي ؟

في الزمن الذي تغزو فيه التقنيات منازلنا وتشغل فيه الأعمال أوقاتنا أصبح التواصل بين أفراد العائلة محدوداً جداً ، وفي تلك الأوقات الكثيرة التي يكون فيها الأبناء والناشئة مغيبين عن العالم الحقيقي منشغلين في العالم الافتراضي تجدهم يبحثون دون ادراك عن قدواتهم في الحياة، ولو نظرنا إلى ما حولنا وإلى الشخصيات البارزة سيتبادر إلى ذهنا هذا السؤال، هل نجد في هؤلاء قدوات صالحة؟

في السنوات العشر الأخيرة عشنا لحظات كثيرة من التناقضات والضبابية ، فذلك الشيخ الواعظ المتدين المشهور بابتسامته اكتشفنا مؤخراً بانه عدو سياسي يسعى لتدمير الأرض ! وذلك المثقف الواعي الذي ملأ حياتنا بالإيجابية والعمل ما هو إلا حاقد يسعى لنشر الرذيلة! وذلك الذي اعتقدنا بأنه أديب رائع خان جيش كلماته ووجهها لتدمير عقول الشباب ! وبين هذا وذاك تاه الأطفال وتاه الشباب ، من يصدقون ؟ ومن يتبعون ؟ ولعلنا اقتنعنا أخيراً أن أفضلهم"ميسي ورونالدو".

سنجد في كتب التاريخ العديد من الشخصيات الرائعة والخالدة وسنتفق جميعاً على أن أبرزها رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ولعل تأثيره كقدوة قد خلده التاريخ في سيرة صحابته الكرام وأفعالهم، ولكننا نحتاج أيضاً إلى قدوات حية نثق بها ونستلهم منها مبادئنا وقراراتنا ، ليس من باب التقديس والاتباع بل من باب الإلهام والتطوير.

ختاماً أود أن أثني على جهود ولي عهد إمارة دبي سمو الشيخ حمدان محمد بن راشد آل مكتوم - حفظه الله - الذي رغم مشاغله ما زال يقدم للشباب دروساً يومية في الطموح والإبداع والإصرار والأخلاق الكريمة ، حيث لم يقتصر تأثيره فقط على أبناء دولة الامارات بل امتد ذلك السحر إلى أرجاء الوطن العربي والعالم ، ولعلنا محظوظين في الإمارات من اقتراب حكامنا وأولياء امورنا من المواطنين والذي يؤثر وبلا شك في اختيار الشباب لقدواتهم وملهميهم ولكن ، هل يكفي هذا العدد المحدود لوطن عربي يمتد لأكثر من 14 مليون كيلو متر مربع ؟