الثلاثاء، 10 مارس 2015

سعادة / إبليس




بينما بدأ صديقي بحديثه المتذمر الدائم عن عمله واستيائه الكبير من مديره في العمل، تلقى اتصالاً هاتفياً من ( ابليس ) كما يسميه في هاتفه ، أخذ نفساً عميقاً وتمتم " لو طارين مليون " ! ( ألو أهلاً وعليكم السلام والرحمة .. انزين انا ما بقدر ...... ان شاء الله ) ، يغلق الهاتف ويبدأ باطلاق سيل الشتائم بعد أن طلب منه مديره العمل خلال اجازته لأداء بعض المهام الوظيفية ! لوهلة شعرت أن [تذمره من مديره] أصبح صديقاً ثالثاً لحواراتنا ومناقشاتنا وللأمانة أصبحت مستاءً وبشكل كبير من هذا الحديث الممل ونصائحي المستمرة له بالاستمرار بالاخلاص للعمل والمهنة.


لولا يقيني بأن صديقي ( كان ) موظفاً مجتهداً، بشوشاً، محباً لعمله، مخلصاً لوطنه، لتجاهلت أحاديثه المستمرة وتذمره الدائم من عمله ومديره على وجه الخصوص، الا أن هذه الحالة قد أصابته تزامناً مع استقالة مديره السابق وتعيين ( ابليس ) بدلاً منه.

إن الفارق بين العمل تحت مسؤولية مدير يحترمك ومدير يتجاهلك كبير للغاية، سواء على المستوى الداخلي النفسي الخاص بالموظف أو حتى على مستوى الانتاج الخارجي من الموظف ، وأتذكر بأنني في فترة من فترات عملي في السكرتارية كنت استمتع بالبقاء حتى ساعات متأخرة من الليل لإنجاز الكثير من الأعمال التي تتطلبها الوظيفة اخلاصاً للعمل وسعياً في تقديم أفضل التقارير التي ستساعد مديري على انجاز أعماله بصورة مناسبة ومريحة على الرغم من أن ذلك كان يتسبب بضياع بعض الدروس والحصص الجامعية مما يؤثر سلباً على تحصيلي الدراسي، في حين أنني أصبحت في وقت لاحق  وبعد تفرغي للعمل وتخرجي من الجامعة أرفض انجاز أي أعمال اضافية خارج ساعات العمل على الرغم من المقابل المادي الاضافي لانجاز تلك الأعمال في غير أوقات العمل بسبب تغير الوظيفة والمدير.

إن اهتمام المدير بالجوانب النفسية والاجتماعية للموظف أهم بكثير من الراتب الشهري والمكتب الفخم والبدلات المالية، فكلمة "شكراً" ستدفع الموظف دائماً لتقديم أفضل ما لديه ، وعلى النقيض تماماً سيكون أثر الكلمات المحبطة والتصرفات السيئة، وأتسائل ما هي المهارة التي يحتاجها الشخص لاحترام الجوانب النفسية والاجتماعية ؟ 

فقط كل ما يرجوه الموظف المسكين هو تقدير المسؤول لعمله واجتهاده وتقديره لحياته الاجتماعية. وما ليس بالضرورة انجازه في غير أوقات العمل من الأفضل أن لاينجز سوى في أوقات العمل ! وأضف إلى ذلك بأنه لايجب تحميل الموظف المسكين في حياته الشخصية أخطاء مديره الذي لم يعرف كيف يدير العمل في الأوقات المحددة له !

أنا على يقين بأن المدير المتزن في الاتصال والتواصل مع موظفيه والذي يسعى دائماً لخلق بيئة عمل مثالية بينهم سيحقق دائماً النجاح الأكبر أكثر من ( فطاحل ) الخطط الاستراتيجية والأنظمة، فإن لم يكن هو المخطط المتميز سيجد بين موظفيه من يستطيع فعل ذلك ، وإن لم يكن الشخص المنظّم سيجد بين موظفيه من ينظم أعمال الشركة، وإن لم يكن الذكي سيجد من بين موظفيه من يساعده على اتخاذ القرارات الإدارية المناسبة. 

هنا تستحضرني قصة المليونير الذي يعمل في شركته 45 مليونير بين الموظفين ! وعند سؤاله كيف يعمل تحت رايتك هذا الكم الهائل من ( المليونيرية ) الذين باستطاعتهم الاستقلال في شركاتهم الخاصة فأجاب " أنا من أصبحت غنياً تحت رايتهم، فعندما تبدأ في البحث عن الذهب ، يجب أن تحفر عميقاً وأن تزيل القشرة الخارجية من التربة ثم تخرج كماً كبيراً من التراب والوحل، يجب أن تستمر في الحفر وإزالة التراب حتى تكتشف عرق الذهب .. وأنا أفعل نفس الشيء مع العاملين في شركتي، فأنا أستمر في الحفر حتى أجد عرق الذهب في كل واحد منهم، وهم يعلمون بأنني أنا من اكتشف الذهب".

إن اهتمام المدراء بالعقاب أكثر من الثواب ، وبأوقات العمل أكثر من الانتاج ، وبمصلحة العمل أكثر من مصالح الموظفين هو بالفعل ليس بالأمر الجيد ! أنا هنا لا أطالب بتغليب المصالح الشخصية على مصالح العمل ولكنني اطالب باحترام تلك الجوانب وباحترام الإنسان قبل العمل.

يروى أن أحد المدراء التنفيذيين الذين يعملون تحت راية توم واتسون مدير شركة IBM العملاقة قد تسبب في خطأ فادح نتج عنه خسارة مالية قدرها ( ١٠ ) ملايين دولار ! قام توم واتسون باستدعاء ذلك المدير إلى مكتبه ، واتجه ذلك المدير إلى مكتب واتسون حاملاً في يده ورقة استقالته وبادر قائلاً "بالطبع تم استدعائي لاقدم استقالتي" حينها أجاب توم واتسون بكل دهاء "استقالتك مرفوضة، لا يمكنني قبول استقالة موظف أنفقت على تدريبه ١٠ ملايين دولار" فكانت تلك فرصة إضافية لهذا المدير التنفيذي الذي استمر مخلصاً لعمله أكثر من أي وقت مضى بعد هذه الكلمات الرائعة في توبيخه على خطأه.

ولكن ألا تعتقد بأن من المبالغة العفو عن موظف أضاع من ثروتك ( ١٠ ) ملايين دولار؟

دمتم بخير

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق